الخميس 30 مارس 2017 م 2:37 مـ 2 رجب 1438 هـ
الرئيسية | بالعقل

الحكومة تغرق في السيول و الصعايدة يدفعون الثمن

اللواء عبدالحميد الهجان محافظ قنا والنائب البرلماني مصطفي بكرياللواء عبدالحميد الهجان محافظ قنا والنائب البرلماني مصطفي بكري
2016-10-30 23:46:00
مصطفي بكري

في وقت مبكر من الصباح، مضيت إلي هناك، إلي موقع الحدث، كان الناس ينتظرون، يراقبون، المياه المتدفقة التي جاءت عبر الجبال، يبحثون عن جثث ضحاياهم، الذين فقدوا منذ أكثر من يومين، يعتريهم القلق والحزن والألم والحسرة.

 

مساء الخميس الماضي، وفي منتصف الليل تمامًا، كان هناك اتوبيسان يمضيان في رحليتهما العادية، كان الأول قادمًا من قنا باتجاه القاهرة، بينما كان الآخر قادمًا من القاهرة إلي قنا، فجأة ودون سابق إنذار، انهارت الحصون، تدفقت المياه بقوة، اقتلعت الطريق الأسفلتي، سقط الأتوبيسان في حفرة عميقة، فوجئ الركاب بالمياه تغمر الأتوبيسين، انطلقت صرخة مدوية إلي عنان السماء، جرفت المياه الكثيرين من الركاب، بعضهم تحرك سريعًا، ليعتلي السطح، بينما كانت المياه تمضي سريعا إلي المجهول وتقتلع الحجر والبشر.

 

كان عبدالناصر عباس ابن بلدتي، ولاعب النادي المصري سابقًا، ضمن هؤلاء الركاب، قاوم بشدة، قذفته الأمواج بعنف، ظل يصارع الموت، ويطلب الاستغاثة، رأي الموت بعينيه، قرر أن يقاوم، فجأة وجد نفسه يمسك بحجر كبير، لملم قواه، وبدأ يمضي جانبًا رويدًا، رويدًا، حتي وجد نفسه علي شاطئ المياه التي غمرت المكان وراحت تمضي بسرعة تكاد تصل إلي أكثر من ثلاثين كيلو مترًا في الساعة، وصل عبدالناصر إلي بلدتنا في وقت مبكر من الصباح، بينما كانت الهواتف تدق في منازل أهلنا تصرخ بكلمة واحدة: انقذونا، إنهم هؤلاء الذين امتطوا سطح الأتوبيسين.

 

عندما اقتحمت المياه العاتية جوف الأتوبيسين أحدثت هلعًا وفزعًا كبيرًا، كان حسني، شابًا في الثلاثين من عمره، قرر السفر إلي القاهرة ومعه زوجته وابنتيه، حسني هو من أبناء قريتي «المعني»، أعرفه وأعرف والده وأخويه، حسني كان الابن الأصغر للحاج مبارك الجبلاوي، جلس الأربعة الأب والزوجة والابنتان «أروي» عام ونصف العام و«أريج» ثلاث سنوات من العمر، بدأ النعاس يزحف إلي الجميع، المياه بدأت بجرف الطفلتين، أمسكتا بيد أمهما، وأمسك حسني بزوجته، في دقائق معدودة ووسط الصرخات المدوية، كان الأربعة خارج الأتوبيس، استطاع الوالد أن ينقذ زوجته ـ امسكت بالأتوبيس، رفض أن يترك ابنتيه تتقاذفهما الأمواج، مضي نحوهما سريعا، يريد إنقاذهما بأي ثمن، أصوات تحذره، لكنه يمضي بعيدًا عنهم، أين أنت يا أروي، أين أنت يا أريج، ضاعت أروي، وضاعت أريج، وفي اليوم التالي عثرت عليهما قوات الإنقاذ جثتين هامدتين، ظل السؤال يتردد، أين حسني، وأين الآخرون؟

 

شباب بلدتي، زحفوا إلي هناك، يبحثون عن حسني وعن الضحايا الآخرين، أكثر من 12 جثة في اليوم الأول، ولكن ليس من بينهم حسني، وسائل الإعلام راحت تبث الأخبار، مضيت إلي هناك في وقت متأخر من مساءالجمعة.

 

في الطريق إلي قنا، مازلت أتذكر السيل الأخير الذي أصاب قريتي في مقتل، إنه السيل الجارف الذي طفا علي المخر وراح يتدفق إلي شوارع بلدتي، فيهدم بيوتها الفقيرة ويحولها إلي خراب في عام 1996.

 

يومها مضيت إلي هناك، كان كل شيء قد أصبح كومة من التراب، بيوت الفقراء انهارت، وأخذت معها حاجياتهم، أصبحوا في العراء، تدخل الجيش كالعادة، أقام الخيام، شعرت ساعتها أننا أصبحنا شعبًا من اللاجئين، ننتظر الطعام، ونبحث عن مكان يلملم أجساد المشردين.

 

في هذا الوقت عجزت الحكومة أيضًا عن المواجهة، أصبح أهلنا ينتظرون الفرج كل يوم، في هذا الوقت كان اللواء صفوت شاكر محافظ قنا واللواء سعد الجمال مدير الأمن، وأنا نمضي سويًا كل صباح، نطمئن علي أحوال الناس، ولولا حديث جري بيني وبين رجل الأعمال د.إبراهيم كامل في حضور د.أسامة الباز تمخض عن جمع مبالغ قدمت للمحافظة، وقامت ببناء قريتي من جديد، لبقينا علي حالنا حتي اليوم.

 

كانت الصورة ماثلة أمام عيني، سألت نفسي، إلي متي سيدفع الصعيد الثمن، لجريمة لم يرتكبها؟! ولماذا لا تفكر الحكومة الحكومات بشكل مختلف لانقاذ هؤلاء الغلابة من المخاطر والفقر والجوع والموت.

 

أخطرني الضابط المسئول أن عليّ أن أتوقف عند الكيلو ( 8 ) في طريق قنا ـ سوهاج ـ المياه تغمر المنطقة، والطريق قطعته السيول، وسرعة المياه المتدفقة لاتزال مستمرة، ومنسوب المياه وصل إلي نحو 50سم من الأرض.

 

وصل اللواء عبدالحميد الهجان محافظ قنا، دخل في حوار مع الحاضرين، اشتكي الناس، قالوا لماذا لم يتم إغلاق الطريق، وهناك إنذارات من الأرصاد الجوية صدرت منذ نحو شهر تقريبًا؟ وقال المحافظ السيول المعتادة تأتينا عن طريق البحر الأحمر ـ طريق قنا ـ سفاجا، ولكنها فاجأتنا هذا العام لتأتي من طريق قنا ـ سوهاج الصحراوي، الناس تقترح الحلول للمستقبل، والمحافظ يسمع ويعد برفع الأمر إلي كبار المسئولين.

 

بعد قليل جاءني صوت ابن عمي ( حربي همام ) لقد وجدنا جثة حسني الجبلاوي، ووجدنا جثة أخري هي للشاب مصطفي وهو أيضًا من أبناء منطقة الجبلاو المجاورة لقريتي.

 

استطاع شباب المعنى وشباب الجبلاو أن يعثروا علي الجثتين، وبعد قليل كان الشباب يمضون بهما إلي مستشفي قنا العام، مضينا لاستخراج التصاريح، بينما كان مئات البشر قد سبقونا إلي هناك انتظارًا لوصول الجثمانين.

 

حملنا جثمان حسني من المستشفي إلي مسجد الشيخ محمد غرب البلدة، كانت النساء تنتظر، مئات النساء اتشحن بالسواد، الصرخات لا تتوقف، يذكرني هذا المشهد بوفاة أمي، ومن قبلها أبي، نفس الحشود، التكاتف رجالاً ونساء، الدموع الصادقة، يعلو صوت شقيقه محمد مبارك، يا خسارة ياخوي، تلاتة من بيتنا يا حسني، اقتربت منه، احتضنه، لكن آهاته وآلامه لا تتوقف.

 

أدينا الصلاة في المسجد، علي الجثمان الطاهر، حملناه علي الأكتاف ومضينا سيرًا علي الأقدام لأكثر من اثنين كيلومتر، قاصدين المقابر، التي تقع في آخر الجزء الغربي من البلدة، في كل شارع كنا نسمع الصرخات، مع السلامة يا حسني، روح لبناتك مستنينك يا ولدي، أشعر أن شوارع بلدتي تحولت إلي بحور من الدموع.

 

آلاف البشر، الشباب والرجال يمضون إلي المقابر، الطابور طويل، لا تكاد تري أوله من آخره، هذه هي بلدتي المكلومة، وناسي الذين يعيشون في دمي، هنا ذكرياتي وتاريخي، إنها بلدتي التي يطاردني طيفها في القاهرة.

 

قرأت الفاتحة لأبي وأمي، مضيت أنا وأخي أحمد، استعدادًا للعزاء الذي يبدأ مبكرًا في بلدتي، ويستمر لثلاثة أيام متتالية، وبعدها يبقي الديوان مفتوحًا لتلقي العزاء لأكثر من خمسة عشر يومًا.

 

في التاسعة من مساء ذات اليوم مضيت مع المحافظ وكبار المسئولين ومعنا النائب الجميل محمود عبدالسلام الضبع إلي الجبلاو، بلدته، لنقدم العزاء في الشهيد الثاني مصطفي.

 

كان محمود عبدالسلام قد مضي إلي مكان الأحداث منذ الساعات الأولي، ظل مع الناس، لم يتركهم، ولو للحظة واحدة، وفي الجبلاو أدينا العزاء، ومضينا كل إلي حال سبيله، لكن الجرح يبقي غائرًا.

 

حتي مساء السبت أول أمس، كان عدد الذين استخرجت جثثهم يزيد علي العشرين شهيدًا، أما الجرح الدامي فكان في منطقة رأس غارب بالبحر الأحمر، الناس يستغيثون، يصرخون، المياه تحاصرهم من كل اتجاه، لا ماء للشرب ولا كهرباء، لا غذاء ولا كساء، استغاثات تأتي عبر الفضائيات والأسر، الثعابين والعقارب تزحف، الناس محاصرون في البيوت بعد أن وصل عمق المياه لأكثر من متر ونصف المتر، عندما ذهب رئيس الوزراء إلي هناك، الناس قطعوا الطريق عليه، لم يسمحوا له بأن يكمل جولته، إنه الغضب الكامن في النفوس منذ زمن طويل.

 

أعود إلي القاهرة مجددًا، واسأل نفسي إلي متي يبقي حال الصعايدة هكذا، مشاكل وأزمات، تهميش دائم ومستمر، أدرك أننا أمام مرحلة جديدة، وأن الأمل يعود من جديد، أعرف أن الصعايدة وطنيون بالفطرة، وحريصون علي الوطن رغم الآلام، ولكنهم يعيشون الفقر والبطالة، المشاكل تتكالب، لكننا نبقي رافعين الراية، راية الوطن، التي رفعها الملك مينا منذ قرون طويلة من الزمان.

 

إنها مصر العظيمة بأبنائها، مصر التي تصدت، مصر التي أشعت نورًا علي البشرية، وصعيدها مهد الحضارة والتاريخ سوف يظل قويًا، صامدًا، مدافعًا عن كيان الدولة، راضيًا بالقليل، ولكن فقط نريد منكم نظرة إلي الواقع، ابحثوا عن طريق للخروج من هذا الواقع بعيدًا عن الكلمات المعسولة، والوعود المستمرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

0
بالعقل
283846
جميع الحقوق محفوظة © 2017 - بوابة الأسبوع